العيني
219
عمدة القاري
النبي وهو في المسجد ، قال : أنشدك يا رسول ا ؟ قال : لا ، قال : بلى ، فقال له النبي : فأخرج من المسجد ، فخرج فأنشده فأعطاه رسول الله ثوباً ) . وقال : هذا بدل ما مدحت به ربك . قلت : أما حديث عمرو : فمنهم من يقول : إنه صحيفة ، حتى قال ابن حزم : لا يصح هذا ، لكن يقول : من يصحح نسخته يصحح حديثه . وأما حديث حكيم بن حزام فقال أبو محمد الأشبيلي : إنه حديث ضعيف . وقال ابن القطان : لم يبين أبو محمد من أمره شيئاً ، وعلته الجهل بحال زفر ، فلا يعرف . قلت : أما زفر فإنه ليس كما قال ، بل حاله معروفة . قال عثمان بن سعيد الدارمي : سألت يحيى عنه ، فقال : ثقة ، وذكره ابن حبان في ( كتاب الثقات ) ، وصحح له الحاكم حديثاً عن المغيرة بن شعبة . وأما حديث أسيد ففي سنده ابن أبي يحيى شيخ الشافعي . وفيه كلام شديد ، وقد جمع ابن خزيمة في ( صحيحه ) بين الشعر الجائز إنشاده في المسجد وبين الممنوع من إنشاده فيه . وقال أبو نعيم الأصبهاني في ( كتاب المساجد ) : نهى عن تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين فيه ، فأما أشعار الإسلام والمحقين فواسع غير محظور . وقد اختلف العلماء أيضاً في جواز إنشاد الشعر مطلقاً ، فقال الشعبي وعامر بن سعد البجلي ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيب والقاسم والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد : لا بأس بإنشاد الشعر الذي ليس فيه هجاء ، ولا نكب عرض أحد من المسلمين ، ولا فحش . وقال مسروق بن الأجدع وإبراهيم النخعي وسالم بن عبد ا ولحسن البصري وعمرو بن شعيب : تكره رواية الشعر وإنشاده ، واحتجوا في ذلك بحديث عمر بن الخطاب عن رسول الله قال : ( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً ) . ورواه ابن أبي شيبة والبزار والطحاوي ، وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص عن النبي قال : ( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً يريه خير من أن يمتلئ شعراً ) . وأخرجه ابن ماجة أيضاً ، وأخرجه البخاري عن ابن عمر عن النبي نحو رواية ابن أبي شيبة ، وأخرجه مسلم أيضاً عن أبي هريرة نحو روايته عن سعد ، وأخرجه أيضاً عن أبي سعيد الخدري ، وأخرجه الطحاوي أيضاً عن عوف بن مالك عن النبي ، وأخرجه الطبراني أيضاً عن أبي الدرداء عن النبي ، وأجاب الأولون عن هذا وقالوا : إنما هذه الأحاديث وردت على خاص من الشعر ، وهو أن يكون فيه فحش وخناء ، وقال البيهقي عن الشعبي : المراد به الشعر الذي هجي به النبي ، وقال أبو عبيدة : الذي فيه عندي غير ذلك ، لأن ما هجي به رسول الله لو كان شطر بيت لكان كفراً ، ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن والذكر . قيل : فيما قاله أبو عبيدة نظر ، لأن الذين هجوا النبي كانوا كفاراً ، وهم في حال هجوهم موصوفون بالكفر من غير هجو ، غاية ما في الباب : قدلازاد كفرهم وطغيانهم بهجوهم ، والذي قاله الشعبي أوجه . قلت : قال الطحاوي : قال قوم : لو كان إريد بذلك ما هجي به رسول الله من الشعر لم يكن لذكر الامتلاء معنىً ، لأن قليل ذلك وكثيره كفر ، ولكن ذكر الامتلاء ليس فيما دونه . قالوا : فهو عندنا على الشعر الذي يملأ الجوف فلا يكون فيه قرآن ولا تسبيح ولا غيره ، فأ ما من كان في جوفه القرآن والشعر مع ذلك ، فليس ممن امتلأ جوفه شعراً ، فو خارج من قول رسول ا : ( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً يريه خير له من أن يمتلئ شعراً ) . وقال أبو عبد الملك : كان حسان ينشد الشعر في المسجد في أول الإسلام ، وكذا لعب الحبش فيه ، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه ، فلما كمل الإسلام زال ذلك كله . قلت : أشار بذلك إلى النسخ ، ولم يوافقه أحد على ذلك . قوله : ( قيحاً ) نصب على التمييز ، وهو : الصديق الذي يسيل من الدمل والجرح ، قوله : ( يريه ) من الوري ، وهو الداء يقال : ورى يوري فهو موري إذا أصاب جوفه الداء وقال الجوهري : وروى القيح جوفه يريه ورياً : أكله ، وقال قوم : معناه حتى يصيب ريته . قلت : فيه نظر . الثاني من الأحكام : جواز الاستنصار من الكفار . قال العلماء : ينبغي أن لا يبدأ المشركون بالسب والهجاء مخافة من سبهم الإسلام وأهله ، قال تعالى : * ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون ا فيسبوا ا عدواً ) * ( الأنعام : 801 ) ولتنزيه ألسنة المسلمين عن الفحش ، إلاَّ أن تدعو إلى ذلك ضرورة كابتدائهم به ، فكيف إذا هم أو نحوه كما فعله . الثالث : فيه استحباب الدعاء لمن قال شعراً ، مثل قصة حسان . الرابع : فيه الدلالة على فضيلة حسان رضي ا تعالى عنه . 96